الشيخ عبد الله البحراني

423

العوالم ، الإمام جعفر الصادق ( ع )

قال : خيفة اللّه دون خيفته ، وكان اللّه عزّ وجلّ في صدري أعظم منه . قال الربيع : كان في قلبي ما رأيت من المنصور ومن غضبه وحنقه « 1 » على جعفر عليه السّلام ، ومن الجلالة له في ساعة ، ما لم أظنّه يكون في بشر ، فلمّا وجدت منه خلوة ، وطيب نفس ؛ قلت : يا أمير المؤمنين ! رأيت منك عجبا . قال : ما هو ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ! رأيت غضبك على جعفر غضبا لم أرك غضبته على أحد قطّ ، ولا على عبد اللّه بن الحسن ، ولا على غيره من كلّ الناس ، حتّى بلغ بك الأمر أن تقتله بالسيف ، وحتّى أنّك أخرجت من سيفك شبرا ، ثمّ أغمدته ، ثمّ عاتبته ، ثمّ أخرجت [ منه ذراعا ، ثمّ عاتبته ، ثمّ أخرجته ] كلّه إلّا شيئا يسيرا ، فلم أشكّ في قتلك له ، ثمّ انجلى ذلك كلّه فعاد رضى ، حتّى أمرتني فسوّدت لحيته بالغالية الّتي لا يتغلّف منها إلّا أنت ، ولا يغلّف منها ولدك المهدي ، ولا من ولّيته عهدك ، ولا عمومتك ، وأجزته وحملته ، وأمرتني بتشييعه مكرّما ! فقال : ويحك يا ربيع ! ليس هو ممّا ينبغي أن يحدّث به ، وستره أولى ، ولا احبّ أن يبلغ ولد فاطمة عليها السّلام فيفتخرون ويتباهون بذلك علينا ، حسبنا ما نحن فيه . ولكن لا أكتمك شيئا ، انظر من في الدار فنحّهم . قال : فنحّيت كلّ من في الدار . ثمّ قال لي : ارجع ولا تبق [ أحدا ] . ففعلت ، ثمّ قال لي : ليس إلّا أنا وأنت ، واللّه لئن سمعت ما ألقيته إليك من أحد ، لأقتلنّك وولدك وأهلك أجمعين ، ولآخذنّ مالك . قال : قلت : يا أمير المؤمنين ! أعيذك باللّه . قال : يا ربيع ! قد كنت مصرّا على قتل جعفر ، وأن لا أسمع له قولا ، ولا أقبل له عذرا ، وكان أمره وإن كان ممّن لا يخرج بسيف أغلظ عندي ، وأهمّ عليّ من أمر عبد اللّه بن الحسن ، وقد كنت أعلم هذا منه ومن آبائه على عهد بني اميّة . فلمّا هممت به في المرّة الأولى ، تمثّل لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فإذا هو حائل بيني وبينه ، باسط كفّيه ، حاسر عن ذراعيه ، قد عبّس وقطّب في وجهي [ فصرفت وجهي ] عنه . ثمّ هممت به في المرّة الثانية ، وانتضيت من السيف أكثر ممّا انتضيت منه في المرّة الأولى ، فإذا أنا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد قرب منّي ودنا شديدا ، وهمّ بي أن لو فعلت لفعل ؛

--> ( 1 ) الحنق : شدّة الاغتياظ .